الشيخ محمد علي طه الدرة

30

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

السّلف التفويض ، ومذهب الخلف التأويل ، فالصّحابة ، والتابعون لهم بإحسان لم يخوضوا في تفسيرها ، ويكلون العلم بها إلى اللّه تعالى ، فعن أبي بكر الصدّيق - رضي اللّه عنه - أنه قال : في كتاب اللّه سرّ ، وسر اللّه في القرآن أوائل السور . وعن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود - رضي اللّه عنهم - : أنهم قالوا : الحروف المقطعة من السرّ المكتوم ؛ الذي لا يفسّر ، وعن عليّ - رضي اللّه عنه - وكرّم وجهه : أنّه قال : إنّ لكلّ كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي . وعن ابن عباس ، وعليّ أيضا - رضي اللّه عنهما - : إنّ الحروف المقطعة في القرآن اسم اللّه الأعظم ، إلا أنّا لا نعرف تأليفه منها . ولكن بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية ، ودخل أكثر أهل البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي الحنيف ، وظهرت الملل ، والنحل ، خصوصا في العصر العباسيّ اضطر علماء المسلمين للخوض في تفسير هذه الحروف ، وأعني بهؤلاء : الخلف ، وبمذهبهم : مذهب الخلف ، وكثرت الأقوال ، والتفاسير في ذلك ، فقيل : هي أسماء للسّور ؛ الّتي بدئت بها . وقيل : كل حرف مفتاح اسم من أسماء اللّه تعالى ، فالألف مفتاح اسم اللّه ، واللام مفتاح اسمه اللطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد ، ومعين ، ومتين ، وقيل : الألف آلاء اللّه ، واللام لطفه ، والميم ملكه . وقيل : هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم اللّه الأعظم ، ألا ترى أنك تقول : ( الر * ، و حم * ، و ن ) فيكون مجموعها الرحمن ، وكذلك سائرها ، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا ، وروى أبو الضحى عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في قوله تعالى : ألم * قال : أنا اللّه أعلم ، وفي : الر * أنا اللّه أرى ، وفي : المص أنا اللّه أفصل ، فالألف تؤدي معنى : « أنا » واللام تؤدي عن معنى : « اسم اللّه » والميم تؤدي عن معنى : « أعلم » واختار هذا القول الزجاج ، قال : أذهب إلى أنّ كل حرف منها ، يؤدّي عن معنى ، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ، ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها ، كقول زهير ، قاله القرطبي ، وقال المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد : من ذلك قول لقيم بن أوس أحد بني ربيعة بن مالك يخاطب امرأته : [ الرجز ] إن شئت أشرفنا كلانا فدعا * اللّه جهدا ربّه فأسمعا بالخير خيرات وإن شرّا فا * ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا أراد : وإن شرّا فشرّ ، إلا أن تشائي ، وقول الآخر : [ الرجز ] نادوهم ألا الجموا ألا تا * قالوا جميعا كلّهم ألا فا أراد : ألا تركبون ، قالوا : ألا فاركبوا . ومن ذلك قول حكيم بن معية التميمي : [ الرجز ] قد وعدتني أمّ عمرو أن تا * تدهن رأسي وتفلّيني وتمسح القنفاء حتّى تنتا